أحمد بن محمود السيواسي

319

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

( وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا ) أي الضعفاء ردا للجواب ( لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا ) أي للرؤساء ( بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ) وهو إبطال من المستضعفين قول المستكبرين ورفع « مَكْرُ اللَّيْلِ » لكونه خبر مبتدأ محذوف ، أي سبب صدودنا عن الإيمان مكركم بنا ، يعني احتيالكم بالدعوة إلى الشرك في الليل والنهار فأجري الظرف مجرى المفعول به ، فأضيف ال « مَكْرُ » إليهما اتساعا أو جعلا ماكرين مجازا لكثرة وقوع المكر فيهما ، المعنى : أنا أشركنا بسبب مكركم ( إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ ) أي بتوحيده ( وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً ) أي أمثالا ( وَأَسَرُّوا ) الضمير للجنس المشتمل على الفريقين من المستكبرين والمستضعفين ، أي أخفوا أو أظهروا ( النَّدامَةَ ) أي الحسرة من الإضلال والضلال والاتباع للمضلين ( لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا ) أي ونجعل يوم القيامة ( الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا ) من الرؤساء والأتباع في النار ويقال استهزاء بهم يومئذ ( هَلْ يُجْزَوْنَ ) أي ما يثابون « 1 » ( إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) [ 33 ] وجيء بالواو في قوله « وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا » دون قوله « قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا » ، لأنه تقدم كلامهم المعطوف عليه في الأول فعطف ، ولم يتقدم لهم كلام في الثاني ليعطف عليه وإنما هو جواب كلام المستضعفين على سبيل الاستئناف . [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 34 ] وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ( 34 ) ( وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ ) أي رسولا « 2 » ينذرهم ( إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها ) أي رؤساؤها المتكبرون المتنعمون في الدنيا « 3 » لرسلهم ( إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ ) من الكتاب والتوحيد ( كافِرُونَ ) [ 34 ] أي جاحدون . [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 35 إلى 36 ] وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ( 35 ) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 36 ) ( وَقالُوا ) أي الكافرون المفتخرون بزخارف الدنيا على الفقراء وبكثرة الأموال والأولاد ( نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ [ 35 ] يوم القيامة لأنا أكرم على اللّه من أن يعذبنا في الآخرة نظرا إلى أحوالنا في الدنيا ، وقد أبطل اللّه ظنهم بأن الرزق فضل منه يعطيه لمن يشاء فلا تفتخروا بالمال ، فأمر نبيه عليه السّلام بقوله ( قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ ) أي يقسمه كيف يشاء فربما يوسع على العاصي ويضيق على المطيع وبالعكس فأمر الثواب لا يقاس عليه ( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) [ 36 ] أن البسط والتقتير من اللّه تعالى . [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 37 ] وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ ( 37 ) ( وَما أَمْوالُكُمْ ) أي ليس جماعة أموالكم ( وَلا أَوْلادُكُمْ ) أي ولا جماعة أولادكم ( بِالَّتِي ) أي الأشياء التي ( تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى ) أي قربى ، مصدر من غير لفظ فعله بمعنى تقربكم قربة ك « أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً » « 4 » ( إِلَّا مَنْ آمَنَ ) باللّه وبما جاء من عنده استثناء من المفعول ، أي الأموال لا تقرب أحدا إلا من آمن ( وَعَمِلَ صالِحاً ) منكم ، أي إلا المؤمن الصالح الذي ينفقها في سبيل اللّه ، وكذا « 5 » الأولاد لا يقرب أحدا إلا من علمهم الخير وفقههم « 6 » في الدين ورباهم بالصلاح والطاعة ( فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا ) أي تضاعف « 7 » لهم حسناتهم الواحدة عشرا إلى سبعمائة وإلى ما لا يحصي وهو من إضافة المصدر إلى المفعول ، أي لهم أن يجازوا الضعف ( وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ ) أي في قصور الجنة ( آمِنُونَ ) [ 37 ] من الموت والهرم والمرض والعدو وغير ذلك ، وقرئ في « الغرفة » « 8 » أيضا وهي كل بناء فوق سفل ، والجمع غرف وغرفات .

--> ( 1 ) يثابون ، و : تثابون ، ح ي . ( 2 ) أي من رسول ، و : أي رسولا ، ح ي . ( 3 ) في الدنيا ، ح ي : بالدنيا ، و . ( 4 ) نوح ( 71 ) ، 17 . ( 5 ) وكذا ، ح و : وكذلك ، ي . ( 6 ) وفقههم ، ح : ووفقهم ، وي . ( 7 ) تضاعف ، ح و : يضاعف ، ي . ( 8 ) « الغرفات » : قرأ حمزة باسكان الراء من غير ألف بعد الفاء على التوحيد ، وغيرهم بضم الراء وبألف بعد الفاء على الجمع ، وأجمع العشرة على الوقف عليه بالتاء . البدور الزاهرة ، 261 .